مرات مشاهدة الصفحة في الأسبوع الماضي

الخميس، 8 سبتمبر 2011

العصامية.. وراثة جينية أم اكتساب؟

إحدى المقالات التي نشرت في جريدة البيان الإماراتية  ( 2007). الحقوق محفوظة للجريدة.


في العام 1998، حين غادرت وطني الأردن تاركا زوجتي وهي تنتظر مولودنا الأول، لم أحمل معي شهادة جامعية، لأنني لم أنه سنوات الدراسة الجامعية في مجال التقنية. إلا أنني حملت خبرتي العملية التي اكتسبتها خلال عملي في عدة شركات متخصصة في التقنية، والتي كانت كفيلة بتعزيز ثقتي بنفسي في هذا الاختصاص.
وجهتي هي مدينة دبي، ولم أغادر وطني بحثاً عن العمل فقط؛ بل للبحث عن فرصة لتحقيق الحلم بتأسيس شركة خاصة في مجال التقنية.
بدا الحلم هناك في الأفق، أبعده عن عينيّ غياب رأس المال المقدّر آنذاك بمليون درهم، وكان الراتب الذي أتقاضاه لا يتعدى السبعة آلاف درهم. أحسست أن المسافة بين الحلم والواقع أبعد من قدرتي على تجاوزها. ذلك لأن راتبي لا أوفر منه إلا ألفاً وخمسمائة درهم كنت أرسله لعائلتي، وما تبقى تلبية لمصروفي في الغربة.
وأثناء تصفحي لأحد المواقع الإلكترونية المخصصة للتوظيف، قرأت إعلاناً يخص شركة مرموقة حول حاجتها إلى مهندسين تقنيين في «مدينة الإنترنت» في دبي. كان الإعلان مشروطاً بمؤهلات جامعية وسنوات من الخبرة، فكان هذا التحدي الأول الذي واجهني. وعند زيارتي للشركة وجدتني وسط حشد من المرشحين للوظيفة عينها. شباب عكست أناقتهم وثقتهم بأنفسهم مستوى مؤهلاتهم وكفاءاتهم، فكان تحديا ثانياً أن أقف بينهم.
أحد أعضاء اللجنة المؤلفة من ثلاثة أشخاص والمكلّفين باختيار من يناسبهم من المرشحين طرح علي السؤال الآتي:
- «أتعرف يا فادي لماذا طلبتك للمقابلة رغم أنك لم تستوف الشروط ؟»
أجبت:« لتوظفني».
رد:« بل لأنك كتبت في خطابك هذه العبارة «من الممكن أن أكون منافساً لشركة مثل شركتكم» فأردت أن أتعرف إلى كاتب هذه العبارة. ثم سألني: لمَ تعتقد أنك ستحصل على هذه الوظيفة؟»
فأجبته: لأنك لن تجد ممن قابلتهم أو ستقابلهم من هو أكثر جدارة مني!
و كان ذلك آخر عهدي بتلك الفرصة للعمل. وعدت إلى ممارسة عمل روتيني في شركة أخرى.
ثم ما لبث أن استعاد الحلم وهجه حين تلقيت اتصالا، بعد عدة أشهر، من شخص سألني:
أما زلت تبحث عن عمل؟
قلت: لا.. أنا أبحث عن تحد « فقال:.هذا ما دفعني للاتصال بك.. أنا يحيى.. التقينا قبل شهور أتذكرني؟ ولدي لك تحد.. قابلني فالتقينا.
وكان أن عرض عليّ إدارة قسم متعثر في الشركة، وعليّ أن أحوله خلال عام إلى ربحية، فإن نجحت سيحوله يحيى إلى شركة مستقلة وأشارك بنسبة 20% من ملكية الشركة، إضافة إلى راتب شهري قدره 18000 درهم على مدى عامين.
قبلت التحدي دون تردد أو تفكير، وخلال شهر واحد انضمت إلي عائلتي. كانت تلك الشركة بداية رحلة النجاح التي تواصلت حتى ملكية ما يزيد على 45 بالمائة من أسهم الشركة. اليوم أنا أملك شركة صغيرة أخرى متخصصة في قطاع الإعلام.
فادي يمثل شريحة واسعة من الشباب العرب الطامحين، أو العصاميين كما يجب أن ندعوهم، ممن التقيهم مباشرة أثناء المؤتمرات، أو أحادثهم عبر المجتمعات الإليكترونية بصفتي متحدثاً ومستشاراً في هذا المجال.
دائماً كان اختلافهم عن الآخرين طاغياً إلى حد إثارة هذا السؤال: ما هو منشأ هذا الدافع إلى تحمل المصاعب والمجازفة والسعي خلف حلم قد يتحقق وقد يتلاشى؟ أهي مسألة غريزية جينية؟ وإذا كان الجواب «نعم» فهل يعني أن من لايحمل هذا الجين لا يمكن أن ينجح؟ وما هو دور المهارات المكتسبة والعوامل البيئية الفاعلة في نجاح العصاميين؟
والآن لنتعمق أكثر في الموضوع ونبحثه من جانبيه السلوكي ( شخصي ؟ واجتماعي) والجانب الفسيولوجي لنجيب عن السؤال المفصلي هل العصامية ( الريادة، المبادرة ) وراثة جينية أبا عن جد، ام اكتساب شخصي؟
قامت جامعة ستانفورد بعمل دراسة والتي قام بتمويلها المعهد الوطني الأميركي، وملخصها أن الدماغ لديه منطقتان هامتان تتمركز فيهما غريزة حب المغامرة.
وهي موجودة خلف الجبهة الأمامية للإنسان، وتم ذلك بعد أن قاموا بعملية مسح مغناطيسي (ئحزة ) وتصوير لمنطقة الدماغ لتجربة معينة لمجموعة كبيرة من المتطوعين.
وظهر أن كمية النشاط لمن لديهم رغبة في المخاطرة أكبر بكثير من الميالين إلى الاستقرار وعدم المخاطرة. هنالك عدة دراسات أخرى توصلت إلى نفس النتائج من جامعة هارفارد وعدد من الجامعات الأوروبية. ودراسات أخرى تتعمق إلى أن حاملي هذه الصفات لديهم جين معين يجمع بينهم.
تدعم هذه الدراسات مقولة أن العصامية والتعطش للنجاح هي وراثة جينية، جارية في دماء مدمني المخاطرة والمجازفة، وبالتأكيد يمكن تطبيق نفس نتائج هذه الدراسة الجينية على العصاميين في دولنا العربية، إذا فما هو دور البيئة المحيطة بالعصامي إذا كانت المسألة محسومة منذ ان يولد الإنسان كما تشير هذه الدراسات؟
هنالك عوامل متعددة تساهم في نجاح العصاميين بأنواعهم، وأهم هذه العوامل هي التربية والتعليم، التدريب والخبرة العملية، شبكات المعارف، الجهد الشخصي، الفرص المتاحة، هذه العوامل لا تتعارض في معظمها مع ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، فكل عصامي ليس بالضرورة ناجحاً بالمقاييس العملية.
وليس كل ناجح عصاميا، فهنالك الناجحون الوارثون ( الذين يرثون الثروات والأعمال عن أبائهم ويطوروها بنجاح) وهم عصاميون، وهنالك الناجحون الحارثون ( الذين يصنعون الأعمال الناجحة بأنفسهم)، وهؤلاء جرى العرف في عالمنا العربي على تسميتهم بالعصاميين.
ولكن حتى نجيب عن السؤال لابد لنا من تحديد المفهوم فمن هم العصاميون؟ » العصاميون هم أشخاص غير نمطيين يؤسسون مشاريع جديدة، أو ينمون أعمالا موجودة أو اعتيادية ولكن بطريقة مختلفة، طموحون، متفوقون، مجازفون، مبتكرون، يشيدون مشاريع أكبر منهم، لا يملون من تكرار المحاولة، العصاميون ليسوا مجرد مبادرين (Initiators).
وليسوا مجرد رواد (Pioneers) وليسوا بالضرورة أصحاب منشآت صغيرة (Small business owners)، كما أن الفرق شاسع بين العصاميين الناجحين وأصحاب الأعمال الشباب، هنالك عصاميون مسؤولون فى داخل مؤسسات عامة أو شركات خاصة (Intrapreneurs)، وغيرهم ينجحون في بناء صروح اقتصادية عملاقة لأن منطلقاتهم مختلفة، واستمروا عندما تراجع الآخرون.
وارثو هذه الجينات المتميزة لن ينجحوا إذا لم يسخروا تلك الهبة الربانية بصورة إيجابية وفعالة، وكذلك لن ينجحوا بالتأكيد إذا لم تهيأ لهم البيئة التي تؤهلهم وتساندهم وتمكنهم من الانطلاق والاستمرارية والنمو.
ولتحقيق ذلك يجب علينا أن نعرفهم أولا، وندعمهم بخلق البيئة المناسبة لهم، سواء كانوا في داخل إحدى مؤسساتنا، أو أصحاب أعمال حرة. وهنا لابد أن نسأل أنفسنا هل نجحت دول الخليج في خلق بيئة داعمة للعصاميين وشركاتهم المتوسطة والصغيرة؟، وهل عالجت القروض الحكومية تلك المسألة؟.
إذا كان التقييم أن هنالك قصوراً، فقد يكون بداية الحل في التعليم ( تعليم العصامية في المدارس)، وهذا النوع من المناهج هو الأسرع انتشارا مقارنة بجميع المناهج في قطاع التعليم الحكومي والخاص بالولايات المتحدة، وربما الأفضل أن يبدأ من المرحلة الابتدائية ، فلابد أن نبدأ من هناك لنبني اقتصادا قويا لا يتوقف نموه على أسعار المواد الخام او الأسهم أو المشاريع الحكومية.

شرف محمد الدباغ - مستشار في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة



الأحد، 4 سبتمبر 2011

سلسلة لماذا - " تقتصر فرص التمويل للشركات الناشئة على عدة ألآف فقط ، بينما الشباب والشابات السعوديين في حاجة إلى أضعاف ذلك، المضحك أن الأموال دفعت لتلك الصناديق




عدد المشاريع التي تم تمويلها في السعودية  بالفعل من قبل جميع الصناديق والهيئات المتخصصة والتي يزيد عددها على 20 جهة تمويلية غير متوفر بعد ولكن بعض الخبراء قدرو أن مجموع تلك القروض  مابين 3000 إلى 4000 قرض / أو تمويل، بمعنى أنه ولدت 3000 - إلى 4000 منشأة صغيرة جديدة في العام 2010 من خلال تلك الجهات التمويلية.


عدد العاطلين في المملكة العربية السعودية كبير ولا يمكن تجاهله على الإطلاق، وهو في إزدياد كل عام، وتحفيز الإقتصاد ليفرز أكبر عدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو من أهم الإستراتيجيات والتكيتكات  في مواجهة إزدياد البطالة في كل دول العالم، والتحدي الأكبر دائما هو توفير السيولة اللازمة لدعم إنشاء أكبر عدد من تلك الشركات والمحافظة عليها لتنمو وتوظف وتساهم في زيادة الناتج القومي للدولة.


وفي حالة المملكة العربية السعودية، الأعوام  2009 - 2010 وربما 2011  الكثير من الصناديق توفرت لها السيولة في حساباتها البنكية، ولم تستطيع دعم العدد المفترض أن تدعمه من الشركات والمنشآت الصغيرة،  بل إكتفوا بعدد قليل من الشركات، وقاموا بإعادة فائضهم المالي إلى خزانة الدولة. وفي ذلك تقصير وفشل في الإداء.


حسابيا ذلك العدد المنخفض من المشاريع لن يحل مشكلة ولن يصنع الفرق، ولن يحدث تغيير بدون شك على نسبة البطالة المرتفعة في المملكة.



هنالك عشرات الألآف من الشباب والشابات مؤهلين للنجاح كرواد أعمال، ولديهم الرغبة والقدرة، ولديهم أفكار يمكن تحويلها إلى مشاريع ناجحة، العائق الأكبر والذي جعلهم يقفوا في صف العاطلين هو التمويل.

لماذا فشلت تلك الجهات التمويلية في أداء دورها رغم توفر السيولة لدى معظمها..... لماذا ؟؟؟.