مرات مشاهدة الصفحة في الأسبوع الماضي

الخميس، 8 سبتمبر 2011

العصامية.. وراثة جينية أم اكتساب؟

إحدى المقالات التي نشرت في جريدة البيان الإماراتية  ( 2007). الحقوق محفوظة للجريدة.


في العام 1998، حين غادرت وطني الأردن تاركا زوجتي وهي تنتظر مولودنا الأول، لم أحمل معي شهادة جامعية، لأنني لم أنه سنوات الدراسة الجامعية في مجال التقنية. إلا أنني حملت خبرتي العملية التي اكتسبتها خلال عملي في عدة شركات متخصصة في التقنية، والتي كانت كفيلة بتعزيز ثقتي بنفسي في هذا الاختصاص.
وجهتي هي مدينة دبي، ولم أغادر وطني بحثاً عن العمل فقط؛ بل للبحث عن فرصة لتحقيق الحلم بتأسيس شركة خاصة في مجال التقنية.
بدا الحلم هناك في الأفق، أبعده عن عينيّ غياب رأس المال المقدّر آنذاك بمليون درهم، وكان الراتب الذي أتقاضاه لا يتعدى السبعة آلاف درهم. أحسست أن المسافة بين الحلم والواقع أبعد من قدرتي على تجاوزها. ذلك لأن راتبي لا أوفر منه إلا ألفاً وخمسمائة درهم كنت أرسله لعائلتي، وما تبقى تلبية لمصروفي في الغربة.
وأثناء تصفحي لأحد المواقع الإلكترونية المخصصة للتوظيف، قرأت إعلاناً يخص شركة مرموقة حول حاجتها إلى مهندسين تقنيين في «مدينة الإنترنت» في دبي. كان الإعلان مشروطاً بمؤهلات جامعية وسنوات من الخبرة، فكان هذا التحدي الأول الذي واجهني. وعند زيارتي للشركة وجدتني وسط حشد من المرشحين للوظيفة عينها. شباب عكست أناقتهم وثقتهم بأنفسهم مستوى مؤهلاتهم وكفاءاتهم، فكان تحديا ثانياً أن أقف بينهم.
أحد أعضاء اللجنة المؤلفة من ثلاثة أشخاص والمكلّفين باختيار من يناسبهم من المرشحين طرح علي السؤال الآتي:
- «أتعرف يا فادي لماذا طلبتك للمقابلة رغم أنك لم تستوف الشروط ؟»
أجبت:« لتوظفني».
رد:« بل لأنك كتبت في خطابك هذه العبارة «من الممكن أن أكون منافساً لشركة مثل شركتكم» فأردت أن أتعرف إلى كاتب هذه العبارة. ثم سألني: لمَ تعتقد أنك ستحصل على هذه الوظيفة؟»
فأجبته: لأنك لن تجد ممن قابلتهم أو ستقابلهم من هو أكثر جدارة مني!
و كان ذلك آخر عهدي بتلك الفرصة للعمل. وعدت إلى ممارسة عمل روتيني في شركة أخرى.
ثم ما لبث أن استعاد الحلم وهجه حين تلقيت اتصالا، بعد عدة أشهر، من شخص سألني:
أما زلت تبحث عن عمل؟
قلت: لا.. أنا أبحث عن تحد « فقال:.هذا ما دفعني للاتصال بك.. أنا يحيى.. التقينا قبل شهور أتذكرني؟ ولدي لك تحد.. قابلني فالتقينا.
وكان أن عرض عليّ إدارة قسم متعثر في الشركة، وعليّ أن أحوله خلال عام إلى ربحية، فإن نجحت سيحوله يحيى إلى شركة مستقلة وأشارك بنسبة 20% من ملكية الشركة، إضافة إلى راتب شهري قدره 18000 درهم على مدى عامين.
قبلت التحدي دون تردد أو تفكير، وخلال شهر واحد انضمت إلي عائلتي. كانت تلك الشركة بداية رحلة النجاح التي تواصلت حتى ملكية ما يزيد على 45 بالمائة من أسهم الشركة. اليوم أنا أملك شركة صغيرة أخرى متخصصة في قطاع الإعلام.
فادي يمثل شريحة واسعة من الشباب العرب الطامحين، أو العصاميين كما يجب أن ندعوهم، ممن التقيهم مباشرة أثناء المؤتمرات، أو أحادثهم عبر المجتمعات الإليكترونية بصفتي متحدثاً ومستشاراً في هذا المجال.
دائماً كان اختلافهم عن الآخرين طاغياً إلى حد إثارة هذا السؤال: ما هو منشأ هذا الدافع إلى تحمل المصاعب والمجازفة والسعي خلف حلم قد يتحقق وقد يتلاشى؟ أهي مسألة غريزية جينية؟ وإذا كان الجواب «نعم» فهل يعني أن من لايحمل هذا الجين لا يمكن أن ينجح؟ وما هو دور المهارات المكتسبة والعوامل البيئية الفاعلة في نجاح العصاميين؟
والآن لنتعمق أكثر في الموضوع ونبحثه من جانبيه السلوكي ( شخصي ؟ واجتماعي) والجانب الفسيولوجي لنجيب عن السؤال المفصلي هل العصامية ( الريادة، المبادرة ) وراثة جينية أبا عن جد، ام اكتساب شخصي؟
قامت جامعة ستانفورد بعمل دراسة والتي قام بتمويلها المعهد الوطني الأميركي، وملخصها أن الدماغ لديه منطقتان هامتان تتمركز فيهما غريزة حب المغامرة.
وهي موجودة خلف الجبهة الأمامية للإنسان، وتم ذلك بعد أن قاموا بعملية مسح مغناطيسي (ئحزة ) وتصوير لمنطقة الدماغ لتجربة معينة لمجموعة كبيرة من المتطوعين.
وظهر أن كمية النشاط لمن لديهم رغبة في المخاطرة أكبر بكثير من الميالين إلى الاستقرار وعدم المخاطرة. هنالك عدة دراسات أخرى توصلت إلى نفس النتائج من جامعة هارفارد وعدد من الجامعات الأوروبية. ودراسات أخرى تتعمق إلى أن حاملي هذه الصفات لديهم جين معين يجمع بينهم.
تدعم هذه الدراسات مقولة أن العصامية والتعطش للنجاح هي وراثة جينية، جارية في دماء مدمني المخاطرة والمجازفة، وبالتأكيد يمكن تطبيق نفس نتائج هذه الدراسة الجينية على العصاميين في دولنا العربية، إذا فما هو دور البيئة المحيطة بالعصامي إذا كانت المسألة محسومة منذ ان يولد الإنسان كما تشير هذه الدراسات؟
هنالك عوامل متعددة تساهم في نجاح العصاميين بأنواعهم، وأهم هذه العوامل هي التربية والتعليم، التدريب والخبرة العملية، شبكات المعارف، الجهد الشخصي، الفرص المتاحة، هذه العوامل لا تتعارض في معظمها مع ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، فكل عصامي ليس بالضرورة ناجحاً بالمقاييس العملية.
وليس كل ناجح عصاميا، فهنالك الناجحون الوارثون ( الذين يرثون الثروات والأعمال عن أبائهم ويطوروها بنجاح) وهم عصاميون، وهنالك الناجحون الحارثون ( الذين يصنعون الأعمال الناجحة بأنفسهم)، وهؤلاء جرى العرف في عالمنا العربي على تسميتهم بالعصاميين.
ولكن حتى نجيب عن السؤال لابد لنا من تحديد المفهوم فمن هم العصاميون؟ » العصاميون هم أشخاص غير نمطيين يؤسسون مشاريع جديدة، أو ينمون أعمالا موجودة أو اعتيادية ولكن بطريقة مختلفة، طموحون، متفوقون، مجازفون، مبتكرون، يشيدون مشاريع أكبر منهم، لا يملون من تكرار المحاولة، العصاميون ليسوا مجرد مبادرين (Initiators).
وليسوا مجرد رواد (Pioneers) وليسوا بالضرورة أصحاب منشآت صغيرة (Small business owners)، كما أن الفرق شاسع بين العصاميين الناجحين وأصحاب الأعمال الشباب، هنالك عصاميون مسؤولون فى داخل مؤسسات عامة أو شركات خاصة (Intrapreneurs)، وغيرهم ينجحون في بناء صروح اقتصادية عملاقة لأن منطلقاتهم مختلفة، واستمروا عندما تراجع الآخرون.
وارثو هذه الجينات المتميزة لن ينجحوا إذا لم يسخروا تلك الهبة الربانية بصورة إيجابية وفعالة، وكذلك لن ينجحوا بالتأكيد إذا لم تهيأ لهم البيئة التي تؤهلهم وتساندهم وتمكنهم من الانطلاق والاستمرارية والنمو.
ولتحقيق ذلك يجب علينا أن نعرفهم أولا، وندعمهم بخلق البيئة المناسبة لهم، سواء كانوا في داخل إحدى مؤسساتنا، أو أصحاب أعمال حرة. وهنا لابد أن نسأل أنفسنا هل نجحت دول الخليج في خلق بيئة داعمة للعصاميين وشركاتهم المتوسطة والصغيرة؟، وهل عالجت القروض الحكومية تلك المسألة؟.
إذا كان التقييم أن هنالك قصوراً، فقد يكون بداية الحل في التعليم ( تعليم العصامية في المدارس)، وهذا النوع من المناهج هو الأسرع انتشارا مقارنة بجميع المناهج في قطاع التعليم الحكومي والخاص بالولايات المتحدة، وربما الأفضل أن يبدأ من المرحلة الابتدائية ، فلابد أن نبدأ من هناك لنبني اقتصادا قويا لا يتوقف نموه على أسعار المواد الخام او الأسهم أو المشاريع الحكومية.

شرف محمد الدباغ - مستشار في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة



الأحد، 4 سبتمبر 2011

سلسلة لماذا - " تقتصر فرص التمويل للشركات الناشئة على عدة ألآف فقط ، بينما الشباب والشابات السعوديين في حاجة إلى أضعاف ذلك، المضحك أن الأموال دفعت لتلك الصناديق




عدد المشاريع التي تم تمويلها في السعودية  بالفعل من قبل جميع الصناديق والهيئات المتخصصة والتي يزيد عددها على 20 جهة تمويلية غير متوفر بعد ولكن بعض الخبراء قدرو أن مجموع تلك القروض  مابين 3000 إلى 4000 قرض / أو تمويل، بمعنى أنه ولدت 3000 - إلى 4000 منشأة صغيرة جديدة في العام 2010 من خلال تلك الجهات التمويلية.


عدد العاطلين في المملكة العربية السعودية كبير ولا يمكن تجاهله على الإطلاق، وهو في إزدياد كل عام، وتحفيز الإقتصاد ليفرز أكبر عدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو من أهم الإستراتيجيات والتكيتكات  في مواجهة إزدياد البطالة في كل دول العالم، والتحدي الأكبر دائما هو توفير السيولة اللازمة لدعم إنشاء أكبر عدد من تلك الشركات والمحافظة عليها لتنمو وتوظف وتساهم في زيادة الناتج القومي للدولة.


وفي حالة المملكة العربية السعودية، الأعوام  2009 - 2010 وربما 2011  الكثير من الصناديق توفرت لها السيولة في حساباتها البنكية، ولم تستطيع دعم العدد المفترض أن تدعمه من الشركات والمنشآت الصغيرة،  بل إكتفوا بعدد قليل من الشركات، وقاموا بإعادة فائضهم المالي إلى خزانة الدولة. وفي ذلك تقصير وفشل في الإداء.


حسابيا ذلك العدد المنخفض من المشاريع لن يحل مشكلة ولن يصنع الفرق، ولن يحدث تغيير بدون شك على نسبة البطالة المرتفعة في المملكة.



هنالك عشرات الألآف من الشباب والشابات مؤهلين للنجاح كرواد أعمال، ولديهم الرغبة والقدرة، ولديهم أفكار يمكن تحويلها إلى مشاريع ناجحة، العائق الأكبر والذي جعلهم يقفوا في صف العاطلين هو التمويل.

لماذا فشلت تلك الجهات التمويلية في أداء دورها رغم توفر السيولة لدى معظمها..... لماذا ؟؟؟.

الأحد، 24 يوليو 2011

العصامية - التاريخ والنظرية




مصطلح العصامية ( إنتريبرينورشب) ليست ظاهرة جديدة في المجتمعات او الدول، بل أن المفهوم والمصطلح  قد تغير من حقبة زمنية إلى أخرى ، وأقدم إستخدام سجل في التاريخ لهذا المصطلح ( عصامي ) منسوب إلى  الشاعر الفذ النابغة الذبياني ( شاعرا مسيحيا من أهل الحجاز توفي في العام 605 ميلادي ) ، حين  جسده في أحد أكثر الفرسان شجاعة، وأعلاهم همة، ولم يكن ذلك الإنسان إبن حاكم او وريث مجد، بل كان إنسانا مجتهد ذو رؤية وعزيمة، وإسمه " عصام بن شهبر الجرمي"، كان حاجبا عند النعمان بن المنذر اللخمي ، الملك المسيحي المولود عام 582 م – وقتل شابا في عام 609 ميلادي، والنعمان من اصول حضرمية ولكنه حكم منطقة دجلة - العراق ،  تقلد مناصب الحكم بعد أبيه، وقد برع في الحكم، قتله كسرى غدرا بعد أن دعاه وأعتقله مع ابنائه وأسقاهم السم،و بعد تلك الحادثة ادعى إبنه المنذر بن النعمان الملك في البحرين وكان يلقب بالمغرور، وهو الذي شارك في حروب الردة مع المشركين وقتل في معركة جواتا في البحرين على يد الصحابي العلاء إبن الحضرمي. وقد قال النابغة الذبياني شعره واصفا شخصية وتميز عصام إبن شهبر حاجب النعمان :
نفس عصام سوّدت عصامِاً ... وعلمته الكر والإقداما 
وجعلته ملكاً هماماً ... فتعالى وجاوز الاقواما

وقصة عصام إبن شهبر تنص على أنه كان مجرد عاملا بسيطا إستخدمه النعمان في قصره، ثم تقرب أكثر فأصبح بجهده حاجبا للملك النعمان، ثم تقرب أكثر فأصبح من أقرب المساعدين للنعمان بعد ان أثبت جدارته وحنكته الإدارية وشجاعته ، عرف عن النعمان قوله " إن عصام بن شهبر بألف جندي" . وقد أستخدم المصطلح كثيرا في ذلك الزمان بعد أن إشتهرت شخصية عصام، واصبح الإنسان الذي يشق طريقه للقمة بجهده وبدون الإعتماد على نسبه يسمى عصاميا.

وهنا يظهر جليا كيف أن  "الكر" و "الإقدام" جعلا منه كما قال النابغة الذبياني في شعره ملكا هماما وتجاوز بذلك كل من حوله من ابناء العوائل والمقربين للنعمان. وبدأت شهرة هذا المصطلح تنتشر في القرن السابع ميلادي في جزيرة العرب بمفهومه المخالف للسائد في ذلك الزمان، ولتتوسع بتوسع الرقعة الجغرافية للحكم الإسلامي وتماسها ودخولها أوروبا من خلال مملكة الأندلس ( أسست عام 711  م – وسقطت في العام 1492 م ). ويصنف هذا النوع من العصامية بما يعرف في زمننا هذا " بالعصامية المؤسساتية " وباللغة الإنجليزية ( إنترابرينورشب) ويعرف بأنه " الفعل العصامي والذي يقوم به أحدهم داخل إطار مؤسسة كبيرة"، ويقصد هنا سؤاء كان موظفا حكوميا او مديرا داخل شركة تجارية، بدون أن يكون مالكا لها.فإرتقاء عصام بن شهبر السلم الوظيفي ووصوله إلى قمته متجاوزا من حوله في فترة قصيرة معتمدا على نفسه، وتمتعه بسمات شخصية  معينة هي أول صورة معروفة تاريخيا للعصامية.

ومن المؤكد أن المصطلح قد إنتقل إلى أوروبا تدريجيا ليظهر مجددا في فرنسا باللغة الفرنسية ( إنتريبرينور ) حوالي القرن 12 ميلادي ، وذلك بعد أن ترسخ المصطلح عربيا بظهور الإسلام بثقافة ثورية في مفاهيمها والتي تنادى بإعتماد الإنسان على جهده وعمله بدون ان يتدخل أي عنصر آخر، ظهر ذلك في الوقت الذي كانت أوروبا تغرق في سيادة التراتبية الطبقية الاجتماعية.  وقد ظهر المصطلح في هذه الفترة في إطار حرفي، فقد أطلق على المقاولين الذين يقومون بتنفيذ المباني الضخمة مثل الكاتدرائيات والقصور وغيرها في فرنسا مقابل أجر وبدون عنصر المخاطرة، ومن هنا أتى إستخدام المغرب العربي والمتأثرين بالثقافة الفرنسية بترجمة نصية للمصطلح، حيث انهم يستخدموا مصطلح " المقاول " بدلا من العصامي كترجمة لكلمة  ( Entrepreneur ).

ثم ظهر المصطلح مجددا في القرن 17 ميلادي توازيا مع الثورة الصناعية في أوروبا في إطاره الإقتصادي، إذ أضيف إليه عنصري المخاطرة والإبتكار، فدور العصامي ان يتصل بالحكام ليحصل على العقود، والذين يقوموا بتحديد الأسعار يشتري على أساسه، ويبيع بسعر مختلف، وتحسب الأرباح والخسائر بناء على  جهد العصامي، وفي العام 1725 بالتحديد إستخدم ريتشارد كانتلون الكلمة بتهجئتها الإنجليزية الحالية.

وفي القرن 18 تطورت الصناعات وتكاثرت الأموال في أوروبا ولعبت الرأسمالية القديمة دورها وأصبحت هي البديل للإقطاعية والتي كانت السبب خلف تخلف أوروبا لعدة قرون، فأصبح هنالك فئة معينة لديها اموال كثيرة، والفئة الغالبة في حاجة إلى الأموال، فظهرت المؤسسات المالية / الإستثمارية والتي قامت بدور تنظيم الأموال المتكاثرة لدى البعض، والبحث عن الأفراد المتميزين ( العصاميين ) الذين هم في حاجة اموال، وبالمقابل يتعهد العصاميون بمضاعفة تلك الأموال كعائد على الإستثمار، وكانت تلك بداية إنطلاقة مؤسسات رأس المال المغامر، والتي تعتبر بصورتها الحديثة أحد أهم مصادر التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.

وفي القرن العشرين، وبعد تطور آليات الإستثمار، والقوانين المنظمة للعمل الحر، حيث بدأت التكنولوجيا تساهم في دفع الإبتكار والتصنيع وتقلل من تكلفته، أصبحت هنالك القدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات حقيقية وتوزيعها بسرعة هائلة حول العالم، كما أصبح الإفراد العاديين المبتكرين وخصوصا العصاميين منهم أكثر تمكنا من تحويل أفكارهم إلى ثروات هائلة بدون أن يكونوا إبناء عوائل ثرية، فالتمويل منتج منظم والسوق مفتوح، ورغبة العميل هي العنصر الذي يقرر. وأصبح العصاميون عناصر تغيير جديدة بطرق ثورية في الخدمات والمنتجات، تدخل مفاهيم جديدة على الوضع القائم وتحوله إلى وضع جديد.

اما في القرن 21 والذي نعيشه فلا يمكن التكهن بما سيحدث مستقبلا بصورة دقيقة، فهنالك عنصران رئيسان يفرضان ويحددان الحاضر والمستقبل، الأول هو التقدم التكنولوجي الهائل في كل مناحي الحياة، والذي يحدث تغيير كلي في هذه الصناعة او تلك خلال فترات قصيرة غير متباعدة قد تكون أشهر قليلة في بعض الأحيان، وذلك وبلا شك تحدي كبير للجميع، والعنصر الثاني هو الإنفتاح الهائل في الإتصالات، مما تسبب في سقوط كل الجدارن الواقية المنظورة منها والغير منظورة، فعاد العالم كما كان في القرن 18 حيث لم تكن هنالك حواجز جغرافية او جنسيات لهذا المنتج او ذاك بل كان سوق تنتقل فيه الخدمات والمنتجات بناء على قانون العرض والطلب.

حرر في 12 /  5 /  2011

شرف محمد الدباغ

مؤلف - عصامي

مستشار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة

الفرق بين العصامي والموظف ( الجزء 2 )


مزيد من الفروقات في التركيبة الشخصية  :


المدير
العصامي
مخطط
صاحب رؤية وحلم
إستراتيجي
دائما في حالة بحث عن فرصة جديدة
منظم
ينشيء الأفكار من لا شيء ( مبتكر)
تنفيذي
يأخذ المخاطرة ( المحسوبة والغير محسوبة)
يجيد إختيار الموظفين
يجيد إستخدام الموارد حوله وتسخيرها
متحكم جيد في الميزانية والمصاريف
مفكر ويسير خلف احلامه
يجيد التقييم
محدث للتغيير على الدوام
يجيد التنسيق
التكيف مع الأفكار الجديدة
يجيد إدارة الأفراد
مزاجي




شرف محمد الدباغ
مستشار متخصص في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة

دورة حياة الشركات الصغيرة من الولادة إلى القمة



معظم إن لم يكن كل الشركات العملاقة نموها مرحلي، فقد بدأت بفكرة بسيطة في رأس أحدهم، ثم إنطلقت كشركة صغيرة، إستمرت من خلال  مقاومتها للمنافسين ، تتجاوز المراحل بتصميم وعزيمة، وترعرعت إلى أن وصلت إلى ماوصلت إليه، ويتبعها في هذا القانون كذلك الشركات المتوسطة والناشئة، قطعوا المسافات عبر عدة مراحل في الوقت الذي تسقط فيه شركات من حولهم ضحايا المنافسة او التمويل أو الإدارة أو غير ذلك عند كل مرحلة.


تغيرت النظريات والتطبيقات في  توصيف  ( مرحلية ودورة حياة الشركات )  في الثلاثون عاما الأخيرة، فتاريخيا اول من كتب عن دورة حياة الشركات الصغيرة والتموسطة هو جراينر في العام 1972 والذي صنفها إلى 5 مراحل، من مرحلة الإبتكار ( فكرة )، إلى مرحلة الإندحار ( الموت البطيء للشركة – الموت السيكولوجي للموظفين وللمؤسسين)، نظرية جراينر بالطبع أصبحت تاريخا الآن رغم صحتها إلى حد كبير في الغرب في وقتها، إذ أنه من الصعب ان تجد علامة تجارية مستمرة لأكثر من 100 عام، إذ تموت الأغلبية العظمى للشركات قبل مرور 100 عام على ولادتها.


ومع تغير النمط الرأسمالي والممارسات الإقتصادية في الأربعون سنة الأخيرة، فقد أصبح  الإبتكار والإبداع هو المحرك الإساسي للإقتصاد، وتغير كذلك النمط الإستثماري فأصبح مفتوحا ومتاحا لمن يستحقه من الأفراد،  بدلا من تركزه في بؤرات برجوازية لم تتغير منذ عقود، فأصبح بإمكان شاب من أسرة من الطبقة دون المتوسطة ( بيل جيتس ) أن يؤسس بإبداعه وإبتكاراته أيقونة تجارية/ صناعية ويتجاوز أكثر المؤسسات نفوذا في زمن قياسي، ويصبح أحد أثرى أثرياء العالم.


والنظام المرحلي الحديث لدورة حياة الشركات والذي أخذ بيد شركة مايكروسوفت وأبل والآلاف من الشركات الناشئة هو نظام يعتمد على المشاركة في الأرباح ( الممارسات الإستثمارية المحترفة )، بدلا من الإقراض ( الممارسات البنكية التقليدية)، وهو يتدرج في مرحليته على النحو التالي :

المرحلة
تمويل ماقبل البذرة
تمويل مرحلة البذرة / البداية
تمويل شركات رأس المال المغامر
تمويل شركات المساهمة الخاصة
تمويل المساهمة العامة
مصدر التمويل
المؤسس صاحب الفكرة، العائلة والأصدقاء
رجال أعمال او مستثمرون أفراد
شركات تمويلية متخصصة يديرها محترفون
كبار رجال الأعمال والمحافظ المالية الخاصة
أموال الشعب وبعض المستثمرين المتخصصين في الأسهم
حجم التمويل
100 – 300 الف ريال
300 الف – مليون +
عدة ملايين حسب المشروع ومتطلباته
عشرات الملايين من الريالات
قد يصل حجم التمويل إلى مئات الملايين من الريالات



هذه هي الدورة الإعتيادية  لمعظم الشركات العصامية في العالم، وهي مطبقة في معظم دول العالم بأنماط مختلفة.


ولكن مازلنا في عالمنا العربي نحاول تطبيق النظام ولكن ببطء، و متاخرين جدا في هذا المجال. ففي الوقت الذي تأخذ فيه شركة ما 10 سنوات من نقطة بدايتها إلى أن تتحول إلى شركة مساهمة في الولايات المتحدة، وربما أقل من ذلك في دولة العدو إسرائيل، قد تأخذ الشركات المتميزة 30 -40 عاما من تاريخ تأسيسها إلى أن تصل إلى شركة مساهمة عامة في المملكة العربية السعودية او جمهورية مصر العربية.


ولذلك تهاجر رؤوس الأموال الخليجية المقدرة ب 5 تريليون دولار، لأن العائد أكبر نتيجة لسرعة دورة رأس المال. الأموال المهاجرة هي مبلغ وثورة هائلة يستفيد منها الغربيون بصورة رئيسة، وهي التي تشارك في تمويل قيام الآف الشركات الناشئة في الولايات المتحدة.


فلو إستطعنا ان نخلق البيئة  ( المرحلية المنظمة ) التي تحتضن الشركات من نشأتها إلى أن تصل إلى المساهمة العامة في 10 -15 عاما في السعودية او جمهورية مصر على سبيل المثال، ستحدث تلك البيئة إزدهار إقتصادي للطبقة المتوسطة في العالم العربي وستمتص تلك النقلة العدد الأكبر من العاطلين عن العمل، وهي المشكلة الأكثر تعقيدا في العالم العربي والتي لم يلتفت لها المسؤولين إلا بعد ان ساهمت في إنهيار العديد من الأنظمة في العالم العربي.


كما أن تسريع الدورة الإستثمارية لرأس المال، وبناء وتقسيم المراحل سيعود بربح أكبر على المستثمر، وبالتالي نوجد البيئة المحفزة  للهجرة العكسية لرؤوس الأموال الخليجية، الأمل موجود بالرغم من أن الدول العربية ( عدد السكان يقدر ب 338 مليون تعداد 2007 ) لم تنجح في إستقطاب أكثر من 1 % من حجم الإستثمار العالمي، بينما دولة العدو الإسرائيلي ( عدد السكان لا يتجاوز 8 ملايين تعداد 2011 ) إستقطبت ضعف ذلك. المخرج هو خلق البيئة المحفزة للشباب والشابات، وتنظيم القوانين المستقطبة لرؤوس الأموال لا العكس.

شرف محمد الدباغ
مستشار متخصص في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة
حرر في 24/7/2011

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

ما هو الفرق بين العصامي والموظف ؟؟؟




العصامي
الموظف
يفضل المجازفة نحو النجاح والثروة عن الأمان
يفضل  الأمان المالي لنفسه ولعائلته – الدخل الشهري، العلاوات، التقاعد ،
يمكن ان يعيش شهور بدون دخل
يستلم دخل شهري منتظم
يعمل ساعات طويلة وغير محدده وغير منتظمة إلى ان يستقر العمل
يعمل بساعات محدده
نادرا ما يقوم بنفس العمل يومين متتاليين
رتابة وتكرار في العمل يقود إلى الملل
وقته الخاص أقل بكثير – ولكن بإرادته ويتحكم في وقته اكثر
لديه وقت شخصي أفضل ، المجتمع ، العائلة، ...ولكن اوقاته منتظمه
القدرة الشرائية قوية ومتنامية
القدرة الشرائية محدودة ومنتظمة
يمكن ان يصبح ثريا وهو شاب
لا يمكن ان يصبح ثريا في شبابه او احيانا طيلة عمره
يخلق / يضع  النظام
يتبع النظام
يقرر من يتم توظيفه ومن يطرد
ليس له خيار في من يعمل معه ومن يكون رئيسه
تتكاثر أمواله وهو نائم او في إجازة
يحصل على الدخل عندما يعمل فقط


شرف محمد الدباغ
مستشار متخصص في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة

الاثنين، 18 يوليو 2011

سلسلة لماذا - " لماذا يجد أصحاب المنشآت الصغيرة أنفسهم مطظرين معظم الأحيان إلى أن يقبلوا إسم فرض عليهم من أحد موظفي الحكومة لمنشأتهم في السعودية"؟؟؟


شركة أحمد بن محمود للدعاية والإعلان - مؤسسة احمد بن محمود مؤسسة فلان بن فلان للخدمات العامة، شركة فلان بن فلان بن فلان الفلاني لتأجير السيارات.... والقائمة طويلة كمثال على طريقة إختيار الإسماء للكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية.

الإسم التجاري هو هوية الشركة الجديدة، وهو أحد أهم عوامل نجاح التلك المنشأة وخصوصا إذا كان مرتبط مباشرة  بالمنتج او الخدمة، من خلال شبكة العصاميون والمستثمرون العرب، تأتيني عدد من الشكاوى حول موضوع إختيار إسم الشركة الجديدة، والمصاعب حول إختيار صاحب المنشأة الإسم الذي يريدوه.

فتقوم الوزارة ( التجارة )   في البداية بطلب أن تضع قائمة من ثلاثة أسماء مختلفة، ثم إذا لم ترق تلك الأسماء للموظف أ أو ب، يقوم بطلب لا ئحة اخرى من ثلاثة أسماء أخرى، وهكذا إلى أن يروق له الإسم لسبب أو لآخر. نتفهم إذا أعطوا تلك الشابة أو ذلك الشاب ( صاحب المنشأة )السبب مثلا أن يكون الإسم مسجلا قبل ذلك او انه مخالف للقانون، وفي هذه الحالة يتم الرد عليهم بصورة رسمية ، أو يعطوهم عنوان مالك تلك العلامة كفرصة لإمكانية شراء الإسم إن كان مسجلا من قبل. 

ولكن الذي يحصل هو انهم لا يعطوا أي أسباب، وربما ليس لك حق النقاش في أي إسم، وليس لك حق الدفاع عن إسمك التجاري الهام بالنسبة لك، الإستثناء إذا كنت من التجار الكبار القادرين على التأثير على صاحب ذلك القرار، او لديك ميزانية ضخمة تسجل الإسم كعلامة تجارية حول العالم وبالتالي يحق لك إستخدامه كرديف لإسم شركتك... والتي قد تحمل إسمك وإسم جدك وقبيلتك وفخذك.

إلى المهتمين والمسؤولين بهذا الموضوع في السعودية أرجو ان نتعاون لوضع حد لمثل هذه التجاوزات والتي تؤثر فعليا على أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة بصورة سلبية.



الخميس، 14 يوليو 2011

ومضات عن أهمية العصاميون وشركاتهم الصغيرة والمتوسطة




·       تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة ما معدله 99 %  من إجمالي عدد الشركات في العالم.
·       الشركات الصغيرة والمتوسطة تساهم بأكثر من 80% من إجمالي الناتج القومي العالمي . وتمثل أكثر من 50% من الناتج القومي المحلي للعديد من الدول  المتقدمة.
·       الشركات العصامية أكبر مستحدث للفرص الوظيفية. وهي أكبر موظف للقوى البشرية، تلك الشركات توظف نسبة 55% - 70% من إجمالي القوى العاملة.
·       معدل عدد الإختراعات وبراءت الإختراع المسجلة للشركات الصغيرة تعادل أكثر من اربعة عشر ضعف ماهو مسجل للشركات الكبيرة.
·       الشركات الصغيرة  تقدم على الدوام الإبتكارات والإختراعات بشكل أكبر نوعا وكما مقارنة  بالشركات الكبرى.
·       أكبر مساند للشركات الكبرى.
·       تثير وتحفز المنافسة في الإقتصاديات المحلية.
·       تساهم بنسبة كبيرة في إجمالي حجم المدخرات الإقتصادية في الدولة ( الصين كمثال ).
·       تساهم في توزيع أفضل  لدخل الفرد وتوزيع أكثر تنظيما للثروة في الدولة.
·       نتيجة لطبيعتها الديناميكية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (المجال الأساسي للعصامية ) مسئولة عن 24-35 % من أجمالي المصنوعات المصدرة بالعالم. وتشكل مامجموعه 95% من الشركات المصدرة في الولايات المتحدة الأمريكية.
·       تنمو الشركات العصامية بمعدل ثلاثة أضعاف من عموم الاقتصاديات التي تنشط فيها.
·       تسهم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى حد عظيم حاليا في خلق الثروات الفردية. وتساهم في توسيع رقعة ورفاهية الطبقة المتوسطة في الإقتصاديات المختلفة. 

الشركات الصغيرة والمتوسطة – أساليب التمويل

مقالة صحفية نشرت  لي في يناير  2009 - دبي - الإمارات العربية المتحدة


يتفق الخبراء الإقتصاديون  على مدى أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة وحقيقة انها أكبر موظف للقوى العاملة،  وكونها أكبر داعم وموفر خدمات  للقطاعات العامة والشركات الكبيرة،  كما أن هنالك إتفاق أنها تساهم بطريقة مباشرة في رفع معدلات التنمية الإقتصادية محليا. سياسيا غالبا ما تدور الرهانات السياسية حول الطبقة المتوسطة ( مجتمع الشركات الصغيرة والمتوسطة ) في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات،  وكذلك هو الحال في بريطانيا، حيث كان من أولويات رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون وهو مهندس الإقتصاد البريطاني الحديث عند بداية حدوث أزمة الإقراض وما تبعها من سلسلة تفاعلات، أن قام  بوضع ميزانية فورية ضخمة لضمان إستمرارية عطاء هذا القطاع الحيوي في الإقتصاد البريطاني. و في كوريا الجنوبية كان رد الفعل سريع كما كان في بريطانيا، ففي يوم 19 نوفمبر 2008 تدخلت حكومة  كوريا الجنوبية وقامت بضخ  100 مليار دولار خاصة لدعم الشركات الكورية الصغيرة والمتوسطة. وفي دول أخرى ساهمت الحكومات بقدر كبير من الدعم المالي المباشر، خصم في الضرائب، ومخصصات ضخمة لمواصلة المؤسسات الإقراضية المتخصصة في هذا القطاع، ودعم العصاميين أصحاب هذه المؤسسات.

أما في الإقتصاديات العربية فالشركات المتوسطة والصغيرة رغم محدودية قدراتها لا تشكل ولا تستقطب نفس الأهمية كما هو الحال  في الكثير من إقتصاديات العالم الحيوية ، وينصب جل إهتمام الدول العربية خلال هذه الأزمة وقبلها على دعم القطاع البنكي والشركات الكبيرة في تلك الدول، بينما تبقى الشركات المتوسطة والصغيرة تحت  رحمة  التراجع الحاد للطلب، ورحمة البنوك والتي توقفت عن التمويل، لتبقى شركات ناشئة  تواجه واقع عاصف تسببت فيه سياسات عالمية خاطئة متهمة بها حكومات، ومؤسسات مالية عالمية ضخمة. هذه العواصف التي لم تمهل أحدا فرصة للتكيف والتعامل معها. ونتيجة لقدراتها المحدودة ووجودها في خطوط المواجهة الأمامية،  تتعرض هذه الشركات حاليا لضغوطات شديدة قد تؤثر مفصليا على وجودها. 

والسؤال المطروح هو لماذا  لايحظي قطاع المنشآت المتوسطة والصغيرة  في العالم العربي بنفس الإهتمام ونفس الدعم؟، والذي إن حصل سيجعل منه إقتصادا منتجا مساهما بصورة مباشرة في نمو الإقتصاد المحلي لكل دولة.

وعند هذه المحطة تظهر لنا وجهتي نظر مختلفتين،  الأولى تقول أن هذه المنشآت رغم كثرة تعدادها في العالم العربي ( تقدر بالملايين ) وتزايد أعدادها سنويا ( بنسبة زيادة سنوية تتراوح مابين 10 % – 18 % ) فهي لا تساهم فعليا في تنمية الإقتصاد رغم الدعم والقروض التي تقدمها الحكومات،  بل أنها مجرد نشاط إقتصادي نموه عضوي إعتيادي وأثره محدود على الأفراد الذين يملكوا هذه المنشآت، وتشكل العمالة المستوردة نسبة كبيرة منهم، ولذلك لا تستقطب نفس الإهتمام الذي تستقطبه الشركات الوطنية الضخمة الفاعلة في الإقتصاد المحلي. ووجهة النظر المضادة تقول مدافعة أن الدور الحكومي في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة شبه معدوم، وهنالك الكثير من العوائق ومواطن النقص الإجرائية والنظامية في وجه هذا القطاع ليحقق الدور المنوط به في التنمية الإقتصادية المستدامة، كما أن هنالك إمكانية لنجاح خطط التوطين مرحليا إذا توفرت الظروف المناسبة.

ولكن أين تكمن المشكلة ؟، وكيف يمكن أن نجد خلال المرحلة الحالية العاصفة  إقتصاديا والتي قد تجرف معها معظم إقتصاديات العالم وهل توجد فرص يمكن ان يستفيد منها الجميع محليا الشركات الكبيرة، المتوسطة، والصغيرة ؟.

قبل إقتراج إجابة على هذا السؤال فلنبحث واقع الشركات الصغيرة وهي الأكثر تأثرا، والتي تعتبر رافدا حيويا هاما لنمو الإقتصاديات، فقد ظهرت عدة دراسات أكاديمية وإقتصادية  لتقييم الوضع الحالي الذي تعيشه هذه الشركات ولكن يمكن حصر المشكلة في ثلاثة عناصر أساسية :
·        الأنظمة ، التشريعات ، والقوانين المحلية .
·        إفتقار المجتمع بشرائحه المختلفة لثقافة العصامية و العمل الحر.
·        البيئة التمويلية والإستثمارية، وقوانين الإقراض.
فالشركات الصغيرة تعيش وتعاني من أزمة التعقيدات الإجرائية الحكومية، فهناك على سبيل المثال مشكلة عدم قدرة العصاميون الأفراد على تسجيل شركاتهم  كشركة ذات مسؤولية محدودة ( مخاطرتها لاتنال أصحاب المنشأة )، ويشكل ذلك أحد أكبر العوائق، حيث أن الكثير من الأنظمة التشريعية  تطالب بمبالغ طائلة كرأس مال لإمكانية تسجيل شركة من ذلك النوع، ومن هنا يحجم عدد كبير عن الدخول لعدم قدرتهم توفير ذلك المبلغ. بينما في معظم الدول ألأوروبية والآسيوية  يمكن أن تسجل شركة مسؤولية محدودة برأس مال منخفض جدا لا يتجاوز بضعة الآف من الدولاارات.

والقائمة ممتلئة بأصناف عديدة ومتنوعة الأشكال والألوان من المعوقات النظامية، التشريعية والقانونية والتي تقف عائقا لا يمكن تجاوزه بسهولة أمام الكثير من العصاميين والذين لو أتيحت لهم الفرصة  المناسبة لأمكن أن ينطلقوا في بناء منظومتهم.

أما من الناحية الثقافية فالأمر لايقل تعقيدا، فمازال العديد من المسؤولين في مجتمعنا من واضعي الأنظمة والتشريعات الإقتصادية ، المثقفين، ومسؤولي التعليم مقصرين في إعطاء هذا القطاع حقه الكافي من الإهتمام  والإحتضان لينموا ويساهم في تنمية المجتمع والإقتصاد،  فمعظم مؤسساتنا التعليمية العربية لم تضع منهج العصامية كمادة تدرس سوآء في المدارس أو الجامعات، رغم أن هذا المنهج التعليمي يعد الأكثر نموا من حيث الإنتشار في المناهج الأوروبية والأمريكية، وكذلك تفتقر المؤسسات  الحكومية والخاصة إلى تدريب منتسبيها ومدرائها على هذه الثقافة  الإدارية الجديدة نسبيا ( العصامية المؤسساتية ) كعنصر إداري هام يساهم في نجاح وتطور المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة على حد سوآء . ومن ناحية أخرى فإن قطاع الإعلام، والمؤسسات الإجتماعية، لم تلتفت جديا بعد إلى هذا العنصر الهام جدا إجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا والذي يمس وبصورة مباشرة حياة ومعاش شريحة كبيرة من المجتمعات العربية.

التمويل سواء عن طريق الإقراض، أوالإستثمار هما للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالأوكسجين بالنسبة للبشر،  وذلك لأن هذه الشركات لاتمتلك أي موارد مالية أصلا عند تأسيسها،  ويعد التمويل المبرمج بمراحله وطرقه المختلفة أهم رافد لتنمية قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول المتقدمة، ويعد هذا العنصر أكبر العوائق لنشأة وتطور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية بمراحلها الأربعة المتعارف عليها كمراحل تطور للشركات، – المرحلة التأسيسية، مرحلة النمو والتوسع، مرحلة النضج، ومرحلة التحول إلى شركة مساهمة.

هنالك مؤسسات إقراضية حكومية تقدم لبعض الشركات الصغيرة، ولكن هذه القروض تغطي نسبة ضئيلة جدا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحت الإنشاء، وجل هذه القروض تتوفر فقط للمرحلة الأولى من عمر الشركات وليست للشركات القائمة في مراحلها المختلفة والتي تحتاج إلى تمويل منظم ومحترف لتنتقل من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطورها.

وكمحاولة لمساهمة حكومية لتمويل هذا القطاع عن طريق المساهمات العامة قامت الحكومة المصرية في العام 2007 بإطلاق بورصة  النيل ، وهي بورصة خاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة، إقتداء بما فعلته بعض الدول الأوروبية والآسيوية، ولم تحقق هذه البورصة النجاح المتوقع منها، والسبب من وجهة نظري هو أن الإنتقال من المرحلة الأولى أو الثانية إلى مرحلة المساهمة العامة مباشرة بدون تمرحل طبيعي في نمو الشركات ( المراحل الأربعة) يعتبر خطأ فادحا للمساهمين والشركات، وما فعلته الحكومات الأوروبية هو توفير التمويل المرحلي المحترف من خلال شركات التمويل الخاصة ( مؤسسات الملكية الخاصة، ومؤسسات رأس المال المغامر ) لكل مراحل نمو الشركة قبل طرحها في سوق المساهمة العامة، بدون قفز المراحل، وهذا بدون شك عامل هام لنجاح تلك الشركات مما يعود بفوائد جمة للمساهمين وللشركات الصغيرة والمتوسطة  المطروحة للتداول.

تشجيع قيام المؤسسات الإستثمارية المحترفة ( مؤسسات الملكية الخاصة، ومؤسسات رأس المال المخاطر ) هام جدا لوجود وتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة،  فلن تستطيع المؤسسات الحكومية ( مؤسسات إقراضية بدون فوائد، أو فوائد منخفضة) ولوج او  دخول هذه الصناعة وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات البنكية ( مؤسسات إقراضية بفوائد مرتفعة )، هذه صناعة متخصصة ومعقدة لها أخصائيون، وهم ليسوا موظفون حكوميون أو موظفي بنوك، ولهم طرقهم الخاصة بهم والتي طوروها منذ قيام أول مؤسسة محترفة من هذا النوع في نيويورك والتي أنشأتها عائلة روكفلر في العام 1959، والتي تعتمد في معظم عملياتها التمويلية على المشاركة، الإندماج، أو الإستحواذ من خلال شرآء حصص في الشركات الصغيرة والمتوسطة والمساهمة في إنجاح الشركة بالتدخل المباشر إداريا وعملياتيا من خلال مجالس الإدارة أو تعيين موظفون محترفون ليساهموا بخبرتهم في إنجاح الشركة، ثم يتم بيع الحصص بأرباح مرتفعة لإنجاح المحفظة الإستثمارية التي تديرها تلك الشركات. وهي ليست شركات للمتاجرة في الأسهم والسندات وخلافه ، بل هي شركات متخصصة في  قطاعات معينة، وتعتمد إستراتيجياتها من خلال التمويل والمشاركة الإدارية ، ثم عملية الخروج الإستراتيجي بيعا  لجني الإرباح في فترات مابين 4 -8 سنوات.

وتأكيدا للإهتمام المتزايد بالعصاميون وشركاتهم الصغيرة والمتوسطة على المستوى العالمي،  فقد إنطلقت يوم الإثنين 17 نوفمبر "الأسبوع العالمي للعصامية" والذي ينتهي يوم 23 نوفمبر، ويشتمل هذا الحدث على الآلاف من الأنشطة تحدث متزامنة في العشرات من الدول وبمشاركة العديد من قادة العالم ورؤساء الوزراء ، والنجوم، وتشارك المملكة العربية السعودية والعديد من الدول العربية بالمئات من الأنشطة المحلية الخاصة بكل دولة، وهي أول تظاهرة عالمية بهذا الزخم تقام دعما للعصامية، وتعد إشارة واضحة وضمنية لمستقبل الإقتصاد العالمي المعتمد بصورة غير مسبوقة على هذه الشركات وعلى العصاميون وأفكارهم المبدعة.

وهنا تكمن الفرصة الذهبية الآن قبل غدا وذلك بأن يبدأ خبراء الإستثمار في الدول العربية النظر بحرص، وعليهم التقييم الغير نمطي والتنويع بدلا من ممارسة الإستثمار بطريقة تقليدية، والبحث بنظرة ثاقبة لهذه الصناعة التي أنجبت  من بطنها معظم الشركات العالمية العملاقة.

آن الأوان لوضع تنظيمات أكثر سلاسة وتقديم حوافز لقيام شركات الملكية الخاصة ، وشركات رأس المال المغامر / المخاطر ، وترسيخ قوانين حماية الملكية الفكرية، و دعم العصاميين والموهوبين، تأسيس ثقافة العمل الحر والإبداع  إعلام وتعليميا، تلك هي الطريقة الأكثر فاعلية لخلق البيئة المناسبة لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في التنمية الإقتصادية وليكونوا مساهمين رئيسيين في إجمالي الناتج المحلي لدولهم .

شرف محمد الدباغ
مستشار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة