مرات مشاهدة الصفحة في الأسبوع الماضي

الجمعة، 17 أكتوبر 2014

العصامية المؤسساتية ضرورة لعلاج الترهل 1/3




مع التقدم الهائل والمتسارع في مختلف القطاعات على مستوى العالم، صناعية، حكومية، تجارية، وغيرها أصبح المدراء المحترفون لهذه القطاعات ومنذ بداية القرن الواحد والعشرون  يصنفوا بانهم مكررون وتقليديون في أساليب وطرق عملهم، عالميا بشكل عام، وإقليميا على وجه الخصوص. وهؤلاء المحترفون بشكل كبير يتبعون أساليب نمطية، وأسس إدارية لم تواكب التغير في معظم الأوقات، وهذا التغير المفصلي والسريع في أسلوب العمل أصبح يفرض على القطاعين العام والخاص التصرف بطريقة غير تقليدية لمحاولة مواكبة التطور، وربما لإحداث تفوق وسبق.

وتزامن مع نفس الفترة  بروز لظاهرة بطء نمو بل وتراجع قوى الشركات العالمية الكبرى في العديد من دول العالم، ودخول الإقتصاديات العالمية في دورة جديدة، وكان ذلك لعدة أسباب إلا أنها تركت مساحة فرضت من خلالها الشركات المتوسطة والصغيرة نفسها كلاعب دولي ديناميكي ينمو سريعا وأصبح هذا اللاعب الجديد القديم ذوأهمية إقتصادية كبرى عالميا ومحليا. ورغم كل المحاولات في إتجاه عولمة الإقتصاديات على المستوى الأفقي، إلا أنه أصبح التركيز على الأفراد المبتكرين بدلا من الأنظمة الإدارية والهيكلة التقليدية هام للحاضر والمستقبل كأهمية الطاقة ، كما أصبح للإبتكار ولأسلوب العصاميين / رواد الأعمال دور أساسي في تفوق إقتصاديات الدول الصناعية الكبرى، سواء كانوا داخل منظومة المؤسسات الكبرى العامة والخاصة، او خارجها في منظومة الشركات المتوسطة والصغيرة

فعلى مستوى الأفراد ( المدراء ورأس هرم المؤسسات بأنواعها المختلفة ) هنالك نوعان من المدراء، المدبر التقليدي المحترف، والمدير الغير تقليدي العصامي، والمسافة مابينهم كبيرة،  فالطبيعة وإلإمكانيات الشخصية لكلا منهما مختلفة، إلا أنها تكمل بعضها البعض حين تواجدها معا، ولكن من النادر جدا تواجدهما معا في نفس الشخصية لأي إنسان.

المدراء العصاميون بصورة عامة يبحثون عن التغيير الدائم لإحداث الفرص ثم إقتناصها، بينما المدير التقليدي يبحث ويسعى بشكل عام إلى التنظيم وثبات العوامل، والتحرك التكتيكي من خلال التخطيط المسبق وليس الإقتناص. المدير المحترف ينتمي إلى مهنة او مجال معين، يحمل شهادة متخصصة، ينظم، يقود جهود الآخرين من خلال منهجية إحترافية، يتبع الأهداف الإستراتيجية الموضوعة بكل دقة، ويخطط الوسائل للوصول لتلك الأهداف ، يلجأ إلى المعايير لقياس الأداء بإستخدام الوسائل والأنظمة المتعارف عليها، ولكن مساحة التحرك الحر والديناميكي محدودة لديه، عنصر المجازفة والمبادرة محدودا و بنسب متفاوتة من شركة كبرى إلى أخرى، أو إدارة وأخرى.

 بينما العكس صحيح تماما في الشركات ذات الصبغة العصامية وخصوصا الصغيرة والمتوسطة فمساحة الحرية كبيرة جدا، ولاتوجد هنالك هرمية تقليدية لسير العمل. أساليبهم وقرارتهم اليومية فيها قدر كبير من الجسارة، والرغبة الدائمة في كسر القيود الإدارية التقليدية. إلا أنهم ونظرا لطبيعتهم وأسلوبهم الغير نمطيين، فإنهم غالبا ما يفتقروا إلى  العمل بمنهجية وإنظباط، لديهم جرأة في الطرح، تفكير غير نمطي وخارج الصندوق، مطعم بروح الجسارة.

ومع الإنفتاح العالمي وإنخفاض الأسوار أصبح الأفراد النوابغ / المبتكرين / المؤسسين / العصاميين في أي أرض كانوا ( لندرتهم ) هم الذهب الصافي والذين تركض خلفهم الدول الكبرى شرقية او غربية لعلمهم بأهميتهم القصوى لدعم أنظمتهم وماكينتهم الإقتصادية والصناعية المبنية على "العصامية المؤسساتية" في كل مفاصلها.

جدول يبين أهم الفرق في صفات كلا من المدير المحترف والمدير العصامي ( القائد).

المدير المحترف
المدير العصامي  ( القائد )
وضع الأهداف والأنظمة
التعرف على الفرصة وإقتناصها
التخطيط الإستراتيجي - مخطط
وضع الرؤية الإستراتيجية – صاجب رؤية
الرقابة - والقياس
 التحفيز – الإتصال الشخصي
درجة عالية من الإحتراف الإداري
درجة أقل من الإحتراف الإداري
منفذ للنظام – ناسخ لتجارب
مبتكر – خارج عن التقليد والأطر
تعليم - تدريب
فطرة جينية - تدريب
يمتلك معرفة وخبرة
محاور - براغماتي

يمكن لكلا النوعين من المدراء عصاميا  أو محترفا أن يكونوا مسؤولين عن منصبا حكوميا أو شركة خاصة، كلاهما مسؤول عن أن يعطي نتائج من خلال تخويلهم الصلاحيات للآخرين، كلاهما صانع قرار، كلاهما يعمل تحت ظغوط وحدود معينة، مع الأخذ في الإعتبار أن هنالك تنوع وإختلاف في تلك العوامل بينهما. كما ان هنالك إختلاف في الدوافع وطبيعة الممارسة، ولكن وحتى مع وجود المدير المحترف، لابد من وجود العصامي والذي يصنف كقائد على الدوام.

أما من ناحية نموذج العمل في المؤسسات فالفارق كذلك كبير مابين الأسلوب الإداري التقليدي والمطبق في المؤسسات العامة والشركات الضخمة وبين نفس النوع من الشركات والمؤسسات والتي طبقت أسلوب "العصامية المؤسساتية" في نظامها الداخلي، إلا أن  هذا الصنف يشمل الشركات الناشئة – الصغيرة – أو المتوسطة الحجم، ويمكن أن تظهر  الفوارق بينة في محورين أساسيين:
  1. الهيكلية: تعتمد المؤسسات والشركات الكبيرة في إدارتها على معايير ونظم متعارف عليها، فمن الناحية الهيكلية لابد من تواجد عدة مستويات إدارية لتنوع الصلاحيات وتعدد مستويات صناعة القرار، فمثلا إذا كان هنالك موظفا صغيرا في أسفل الهرم  إبتكر منتج جديد لشركته، فمن المألوف أن يمر ذلك على 3 – 5 مستويات أفقية أو أكثر من التدقيق والتقييم من خلال السلسلة الإدارية، عن طريق إجتماعات، رسائل متبادلة، عقود ودراسات، وربما لجان.
نفس هذا الموظف لو كان يعمل في شركة عصامية أو قطاع حكومي ينتهج نهج " العصامية المؤسساتية " فإن إقتراحه قد يصل إلى صانع القرار بصورة أسرع بكثير، أو على كاس شاهي في مقهى صغير، وقد يلاقي إهتماما كبيرا، ويطبق ويجني فوائد أفكاره سريعا.
  1. مدة صناعة القرار : الشركات الكبيرة متعددة المستويات الإدارية، طاقم كبير من المدراء ومساعديهم، لكلا منهم رأي ووجهة نظر، وحتى مع كل أنواع التقنية الموجودة فما زالت المهارات الإدارية البشرية غير متواكبة  مع سرعة التطور التكنولوجي، ومازالت الحساسيات من الإحتكاك بالرؤساء، العلاقات ومدى توترها، بعد المسافات الإدارية، المنافسة الداخلية، وغير ذلك من العوامل تلعب دورا لكبر حجم الفريق، تعدد المستويات، ، أضف إلى ذلك أنظمة الرقابة الداخلية.
وبالطبع هذه البيئة مختلفة عن بيئة المؤسسات والشركات العصامية، أو التي تنتهج نهج العصامية المؤسساتية، فهذه تعتمد على سرعة صناعة القرار، وتتبع منهج التدفق الكلي، ورقابتها ذاتية لأن محاسبيتها صارمة وسريعة، تعطي حيز كبير لرأي وإبتكار أفرادها وتحملهم المسؤولية، تحمي أفكارهم، وتدافع عنها، هذا النوع من الإدارة يعتمد على التنقل من حيز لآخر بأي إتجاه ثلاثي الأبعاد، بدلا من مستوى إلى مستوى أعلى أو أدنى ذا بعدين.

الفرق بين الإدارة التقليدية والإدارة العصامية في أسلوب العمل ( القطاع الخاص كمثال ).

ملاحظات
الشركات التي يديرها مدراء المحترفين
الشركات التي تدار بطريقة عصامية وبواسطة عصاميين

الملكية
المالكين غير منخرطين في الإدارة بطريقة مباشرة
الملكية عادة لمن يدير الشركة

المدراء التنفيذيين
مدراء محترفون.
العصاميين –  المؤسسين وأصحاب الفكرة أو مديرين شركاء.

أسلوب الإدارة
النظام الإداري الداخلي طبقا للمعايير الإدارية
خبرة شخصية بالسوق والمنتج – أنظمة إدارية تبعا للعميل والسوق

المستفيدين من الأرباح والعوائد
الأرباح تعود على المساهمين – سواء عامة أو أفراد
الأرباح تعود على العصامي المؤسس /  وشركائه أو المستثمرين معه

العلاقة من العملاء
مسؤولية موظفين الشركة – علاقة مؤسساتية رسمية
مسؤولية مؤسس الشركة –علاقة مقربة وناضجه

طريقة التواصل
السكرتاريات – الخطابات والقنوات الرسمية
شخص لشخص، التواصل ورد المكالمات فوري إلى حد كبير

صناعة القرارات
مجالس إدارة - إجتماعات  داخلية –– تحليلات  –   ثم قرارات إدارية  عليا.
قرار سريع وحاسم، " جربوا ذلك الأن ولنرى ماهي النتيجة، فإن ظهرت إشكالية ما فقوموا بالتعديل المناسب".

الإبتكار وتطوير المنتجات والخدمات
قليل من الإبداع والإبتكار
قائمة على الإبداع والإبتكار
النمو السنوي
نمو ثابت
نموسريع
الرؤية العامة
بدون رؤية واضحة – داخل الصندوق
تمتلك رؤية ثاقبة – خارج الصندوق
التوظيف
فرص الوظائف غالبا محدودة
تحدث فرصاً عديدة للتوظيف
العوائد على الإستثمار
نمو العوائد والأرباح تدريجي ثابت ومتوقع
تدر أرباحاً سريعة وبطريقة متصاعدة
عنصر المخاطرة
قليلة المخاطرة
عالية المخاطرة


ونتيجة لطبيعة الإقتصاد الإقليمي وواقعه فالتوازن بين  الصنفين من المدراء ( المدراء المحترفين والمدراء العصاميين ) هام على مستوى الأفراد، وكذلك هو الحال على مستوى المؤسسات والشركات، فلكل منهما دوره، ولكن ونتيجة للطفرة البترولية  حدثت صدمة عنيفة في الوعي الجمعي للمجتمع الخليجي، فقد كان العمل الحر ،الحرف المهنية، المتاجرة، والمخاطرة " العصامية المؤسساتية " هم الخيار السائد لأفراد المجتمع الخليجي ولمؤسساته، ولكن ومنذ بداية سبعينات القرن الماضي تحول ذلك الوعي وتبعته الثقافة السائدة في مجتمعنا الخليجي إلى  ثقافة الوظيفة والإدارة الجامدة التقليدية، ومازالت تلك الثقافة هي السائدة إلى حد كبير، وبالتالي تحول المجتمع الخليجي من مجتمع منتج إلى مجتمع مستهلك، وتحولت القوى الإدارية العاملة بغالبيتها نحو الإدارة الوظيفية التقليدية الهرمية بشكل كبير، ومع مرور الزمن تلاشت الإداره العصامية بين الأفراد وداخل المؤسسات لتشكل لنا جيلا من المؤسسات العامة والشركات ينقصها الإبتكار ويغلب عليها التقليد،النسخ، والتكرار.

هذه الظاهرة ليست مقتصرة على دول الخليج بل هي عالمية، إلا ان الدول المتقدمة ومنذ ثمانينات القرن الماضي، بدأت في التحول والعودة مرة أخرى إلى إعتماد مشاركة وإبتكار الفرد ( الموظف ) وإعطائه الحافز والمساحة اللازمه، لتوليد الأفكار ودعمه داخل المنظومه لتفعيل تلك الأفكار وتحويلها إلى منتج او خدمة فعلية وملموسة، أي أنها إنتهجت أسلوب " العصامية المؤسساتية " في أساليب عملها ونظامها الداخلي.

وحاليا تعاني معظم المؤسسات والشركات الكبرى في دول الخليج من نقص واضح في الإبتكار والتطور وتخليها عن أسلوب " العصامية المؤسساتية"، بل أصبحت معظمها جامدة رغم نموها العضوي سنويا، ويعود ذلك إلى تكلس مفاصل المؤسسة او الشركة نتيجة إعتمادها على مفصل أو مفصلين في القرارات والتنفيذ بدلا من توزيع الحركة على جميع مفاصل المؤسسة، وتلك إحدى عيوب الإدارة التقليدية، وقد تسبب ذلك وبصورة مباشرة إلى هجرة الموظفين المبدعين والمنتجين خارج المنظومة، وعادة تكون تلك الهجرة إلى بيئة أكثر تقديرا لدور الفرد وأكثر دعما لإبتكاراته، سواء محليا أو عالميا، وتشكلت بذلك أهم  التحديات التي  تواجهها الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية في الخليج العربي وهو الإبقاء على الموظفين المنتجين والمبدعين تحت سقفها.

وقد حان الأوان لإحداث عملية شراكة إدارية وتلاقح مابين القطاعين العام و الخاص في دول الخليج والدول العربية بشكل عام لمواجهة التحديات الخطيرة التي نواجهها متمثلة في نسبة الشباب من مجموع عدد السكان، وقصر القطاعين العام والخاص في إستحداث العدد الكافي من الوظائف لخلق التوازن المطلوب. فالقطاع العام والشركات التقليدية الكبرى في حاجة كبيرة إلى تنويع أساليبهم الإدارية وتحديثها والإعتماد على الأفراد داخل المؤسسة الوظيفية فيما يصطلح عليه باللغة الإنجليزية (  Intrapreneurship )  ومقابله الإصطلاح  العربي "العصامية المؤسساتية"، وهنالك برامج عديدة يمكن تطبيقها في هذا الخصوص لغرس المفاهيم وتطبيقها واقعيا داخل المؤسسات.

كما أن واقع المنطقة يفرض علينا تهيئة جزء من موظفي القطاع العام ( ممن لديه الرغبة والقابلية ) للهجرة إلى القطاع الخاص، وقد نجحت تونس في هذا المجال من خلال برامج تدريبية وتنفيذية متعددة، كما أننا بحاجة ماسة إلى دمج وتطعيم قطاعاتنا العامة بروح وأساليب العصامية المؤسساتية.

العصامية المؤسساتية أنتجت نجاحات وأنجبت شركات ضخمة إستحدثت ملايين الوظائف حول العالم، ففي القطاع الخاص وعلى سبيل المثال "البلاي ستيشن" كانت فكرة من موظف في شركة سوني، وتحولت إلى شركة منفصلة تماما، لغة جافا هي فكرة لموظف تحولت إلى شركة ضخمة، لاسيتير من رحم شركة ديزني، والألاف من الأمثلة مابين تركيا، ماليزيا، دبي، وحتى جاكرتا، أفراد من داخل مؤسسة حكومية او شركة يقودوا عملية الإبتكار والتفعيل لينتجوا كيان جديد أو يضيفوا ويصححوا في الكيان الموجود.

وأختتم بتعريف العصامية المؤسساتية (Intrapreneurship ) : هي نظام  إداري  ينشأ داخل المؤسسات الضخمة او المتوسطة ( الخاصة او العامة ) ويعمل تحت مظلتها  ضمن دائرة من الإستقلالية الإدارية  والمالية. وهي نتيجة جمع مفردتين باللغة الأنكليزية:  " Intra- " و  Preneurship "  لتعني  العصاميين داخل المؤسسة  " intra-preneurs".  وحسب المصادر فقد أستخدم هذا المصطلح  مكتوبا لأول مرة في سياق ابحاث المفكر الإقتصادي  الأمريكي "جيفورد بنشوت ( Gifford Pinchot, 1978) "  في مجال تطوير إدارة الأعمال داخل الشركات الكبيرة والمتوسطة بطريقة مبتكرة،  وبطريقة هي اشد فاعلية من النظام  الإداري التقليدي الهرمي.

شرف محمد الدباغ

خبير في مجال العصامية, الشركات المتوسطة والصغيرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق