مقالة صحفية نشرت لي في يناير 2009 - دبي - الإمارات العربية المتحدة
شرف محمد الدباغ
مستشار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة
يتفق الخبراء الإقتصاديون على مدى أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة وحقيقة انها أكبر موظف للقوى العاملة، وكونها أكبر داعم وموفر خدمات للقطاعات العامة والشركات الكبيرة، كما أن هنالك إتفاق أنها تساهم بطريقة مباشرة في رفع معدلات التنمية الإقتصادية محليا. سياسيا غالبا ما تدور الرهانات السياسية حول الطبقة المتوسطة ( مجتمع الشركات الصغيرة والمتوسطة ) في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات، وكذلك هو الحال في بريطانيا، حيث كان من أولويات رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون وهو مهندس الإقتصاد البريطاني الحديث عند بداية حدوث أزمة الإقراض وما تبعها من سلسلة تفاعلات، أن قام بوضع ميزانية فورية ضخمة لضمان إستمرارية عطاء هذا القطاع الحيوي في الإقتصاد البريطاني. و في كوريا الجنوبية كان رد الفعل سريع كما كان في بريطانيا، ففي يوم 19 نوفمبر 2008 تدخلت حكومة كوريا الجنوبية وقامت بضخ 100 مليار دولار خاصة لدعم الشركات الكورية الصغيرة والمتوسطة. وفي دول أخرى ساهمت الحكومات بقدر كبير من الدعم المالي المباشر، خصم في الضرائب، ومخصصات ضخمة لمواصلة المؤسسات الإقراضية المتخصصة في هذا القطاع، ودعم العصاميين أصحاب هذه المؤسسات.
أما في الإقتصاديات العربية فالشركات المتوسطة والصغيرة رغم محدودية قدراتها لا تشكل ولا تستقطب نفس الأهمية كما هو الحال في الكثير من إقتصاديات العالم الحيوية ، وينصب جل إهتمام الدول العربية خلال هذه الأزمة وقبلها على دعم القطاع البنكي والشركات الكبيرة في تلك الدول، بينما تبقى الشركات المتوسطة والصغيرة تحت رحمة التراجع الحاد للطلب، ورحمة البنوك والتي توقفت عن التمويل، لتبقى شركات ناشئة تواجه واقع عاصف تسببت فيه سياسات عالمية خاطئة متهمة بها حكومات، ومؤسسات مالية عالمية ضخمة. هذه العواصف التي لم تمهل أحدا فرصة للتكيف والتعامل معها. ونتيجة لقدراتها المحدودة ووجودها في خطوط المواجهة الأمامية، تتعرض هذه الشركات حاليا لضغوطات شديدة قد تؤثر مفصليا على وجودها.
والسؤال المطروح هو لماذا لايحظي قطاع المنشآت المتوسطة والصغيرة في العالم العربي بنفس الإهتمام ونفس الدعم؟، والذي إن حصل سيجعل منه إقتصادا منتجا مساهما بصورة مباشرة في نمو الإقتصاد المحلي لكل دولة.
وعند هذه المحطة تظهر لنا وجهتي نظر مختلفتين، الأولى تقول أن هذه المنشآت رغم كثرة تعدادها في العالم العربي ( تقدر بالملايين ) وتزايد أعدادها سنويا ( بنسبة زيادة سنوية تتراوح مابين 10 % – 18 % ) فهي لا تساهم فعليا في تنمية الإقتصاد رغم الدعم والقروض التي تقدمها الحكومات، بل أنها مجرد نشاط إقتصادي نموه عضوي إعتيادي وأثره محدود على الأفراد الذين يملكوا هذه المنشآت، وتشكل العمالة المستوردة نسبة كبيرة منهم، ولذلك لا تستقطب نفس الإهتمام الذي تستقطبه الشركات الوطنية الضخمة الفاعلة في الإقتصاد المحلي. ووجهة النظر المضادة تقول مدافعة أن الدور الحكومي في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة شبه معدوم، وهنالك الكثير من العوائق ومواطن النقص الإجرائية والنظامية في وجه هذا القطاع ليحقق الدور المنوط به في التنمية الإقتصادية المستدامة، كما أن هنالك إمكانية لنجاح خطط التوطين مرحليا إذا توفرت الظروف المناسبة.
ولكن أين تكمن المشكلة ؟، وكيف يمكن أن نجد خلال المرحلة الحالية العاصفة إقتصاديا والتي قد تجرف معها معظم إقتصاديات العالم وهل توجد فرص يمكن ان يستفيد منها الجميع محليا الشركات الكبيرة، المتوسطة، والصغيرة ؟.
قبل إقتراج إجابة على هذا السؤال فلنبحث واقع الشركات الصغيرة وهي الأكثر تأثرا، والتي تعتبر رافدا حيويا هاما لنمو الإقتصاديات، فقد ظهرت عدة دراسات أكاديمية وإقتصادية لتقييم الوضع الحالي الذي تعيشه هذه الشركات ولكن يمكن حصر المشكلة في ثلاثة عناصر أساسية :
· الأنظمة ، التشريعات ، والقوانين المحلية .
· إفتقار المجتمع بشرائحه المختلفة لثقافة العصامية و العمل الحر.
· البيئة التمويلية والإستثمارية، وقوانين الإقراض.
فالشركات الصغيرة تعيش وتعاني من أزمة التعقيدات الإجرائية الحكومية، فهناك على سبيل المثال مشكلة عدم قدرة العصاميون الأفراد على تسجيل شركاتهم كشركة ذات مسؤولية محدودة ( مخاطرتها لاتنال أصحاب المنشأة )، ويشكل ذلك أحد أكبر العوائق، حيث أن الكثير من الأنظمة التشريعية تطالب بمبالغ طائلة كرأس مال لإمكانية تسجيل شركة من ذلك النوع، ومن هنا يحجم عدد كبير عن الدخول لعدم قدرتهم توفير ذلك المبلغ. بينما في معظم الدول ألأوروبية والآسيوية يمكن أن تسجل شركة مسؤولية محدودة برأس مال منخفض جدا لا يتجاوز بضعة الآف من الدولاارات.
والقائمة ممتلئة بأصناف عديدة ومتنوعة الأشكال والألوان من المعوقات النظامية، التشريعية والقانونية والتي تقف عائقا لا يمكن تجاوزه بسهولة أمام الكثير من العصاميين والذين لو أتيحت لهم الفرصة المناسبة لأمكن أن ينطلقوا في بناء منظومتهم.
أما من الناحية الثقافية فالأمر لايقل تعقيدا، فمازال العديد من المسؤولين في مجتمعنا من واضعي الأنظمة والتشريعات الإقتصادية ، المثقفين، ومسؤولي التعليم مقصرين في إعطاء هذا القطاع حقه الكافي من الإهتمام والإحتضان لينموا ويساهم في تنمية المجتمع والإقتصاد، فمعظم مؤسساتنا التعليمية العربية لم تضع منهج العصامية كمادة تدرس سوآء في المدارس أو الجامعات، رغم أن هذا المنهج التعليمي يعد الأكثر نموا من حيث الإنتشار في المناهج الأوروبية والأمريكية، وكذلك تفتقر المؤسسات الحكومية والخاصة إلى تدريب منتسبيها ومدرائها على هذه الثقافة الإدارية الجديدة نسبيا ( العصامية المؤسساتية ) كعنصر إداري هام يساهم في نجاح وتطور المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة على حد سوآء . ومن ناحية أخرى فإن قطاع الإعلام، والمؤسسات الإجتماعية، لم تلتفت جديا بعد إلى هذا العنصر الهام جدا إجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا والذي يمس وبصورة مباشرة حياة ومعاش شريحة كبيرة من المجتمعات العربية.
التمويل سواء عن طريق الإقراض، أوالإستثمار هما للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالأوكسجين بالنسبة للبشر، وذلك لأن هذه الشركات لاتمتلك أي موارد مالية أصلا عند تأسيسها، ويعد التمويل المبرمج بمراحله وطرقه المختلفة أهم رافد لتنمية قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول المتقدمة، ويعد هذا العنصر أكبر العوائق لنشأة وتطور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية بمراحلها الأربعة المتعارف عليها كمراحل تطور للشركات، – المرحلة التأسيسية، مرحلة النمو والتوسع، مرحلة النضج، ومرحلة التحول إلى شركة مساهمة.
هنالك مؤسسات إقراضية حكومية تقدم لبعض الشركات الصغيرة، ولكن هذه القروض تغطي نسبة ضئيلة جدا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحت الإنشاء، وجل هذه القروض تتوفر فقط للمرحلة الأولى من عمر الشركات وليست للشركات القائمة في مراحلها المختلفة والتي تحتاج إلى تمويل منظم ومحترف لتنتقل من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطورها.
وكمحاولة لمساهمة حكومية لتمويل هذا القطاع عن طريق المساهمات العامة قامت الحكومة المصرية في العام 2007 بإطلاق بورصة النيل ، وهي بورصة خاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة، إقتداء بما فعلته بعض الدول الأوروبية والآسيوية، ولم تحقق هذه البورصة النجاح المتوقع منها، والسبب من وجهة نظري هو أن الإنتقال من المرحلة الأولى أو الثانية إلى مرحلة المساهمة العامة مباشرة بدون تمرحل طبيعي في نمو الشركات ( المراحل الأربعة) يعتبر خطأ فادحا للمساهمين والشركات، وما فعلته الحكومات الأوروبية هو توفير التمويل المرحلي المحترف من خلال شركات التمويل الخاصة ( مؤسسات الملكية الخاصة، ومؤسسات رأس المال المغامر ) لكل مراحل نمو الشركة قبل طرحها في سوق المساهمة العامة، بدون قفز المراحل، وهذا بدون شك عامل هام لنجاح تلك الشركات مما يعود بفوائد جمة للمساهمين وللشركات الصغيرة والمتوسطة المطروحة للتداول.
تشجيع قيام المؤسسات الإستثمارية المحترفة ( مؤسسات الملكية الخاصة، ومؤسسات رأس المال المخاطر ) هام جدا لوجود وتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة، فلن تستطيع المؤسسات الحكومية ( مؤسسات إقراضية بدون فوائد، أو فوائد منخفضة) ولوج او دخول هذه الصناعة وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات البنكية ( مؤسسات إقراضية بفوائد مرتفعة )، هذه صناعة متخصصة ومعقدة لها أخصائيون، وهم ليسوا موظفون حكوميون أو موظفي بنوك، ولهم طرقهم الخاصة بهم والتي طوروها منذ قيام أول مؤسسة محترفة من هذا النوع في نيويورك والتي أنشأتها عائلة روكفلر في العام 1959، والتي تعتمد في معظم عملياتها التمويلية على المشاركة، الإندماج، أو الإستحواذ من خلال شرآء حصص في الشركات الصغيرة والمتوسطة والمساهمة في إنجاح الشركة بالتدخل المباشر إداريا وعملياتيا من خلال مجالس الإدارة أو تعيين موظفون محترفون ليساهموا بخبرتهم في إنجاح الشركة، ثم يتم بيع الحصص بأرباح مرتفعة لإنجاح المحفظة الإستثمارية التي تديرها تلك الشركات. وهي ليست شركات للمتاجرة في الأسهم والسندات وخلافه ، بل هي شركات متخصصة في قطاعات معينة، وتعتمد إستراتيجياتها من خلال التمويل والمشاركة الإدارية ، ثم عملية الخروج الإستراتيجي بيعا لجني الإرباح في فترات مابين 4 -8 سنوات.
وتأكيدا للإهتمام المتزايد بالعصاميون وشركاتهم الصغيرة والمتوسطة على المستوى العالمي، فقد إنطلقت يوم الإثنين 17 نوفمبر "الأسبوع العالمي للعصامية" والذي ينتهي يوم 23 نوفمبر، ويشتمل هذا الحدث على الآلاف من الأنشطة تحدث متزامنة في العشرات من الدول وبمشاركة العديد من قادة العالم ورؤساء الوزراء ، والنجوم، وتشارك المملكة العربية السعودية والعديد من الدول العربية بالمئات من الأنشطة المحلية الخاصة بكل دولة، وهي أول تظاهرة عالمية بهذا الزخم تقام دعما للعصامية، وتعد إشارة واضحة وضمنية لمستقبل الإقتصاد العالمي المعتمد بصورة غير مسبوقة على هذه الشركات وعلى العصاميون وأفكارهم المبدعة.
وهنا تكمن الفرصة الذهبية الآن قبل غدا وذلك بأن يبدأ خبراء الإستثمار في الدول العربية النظر بحرص، وعليهم التقييم الغير نمطي والتنويع بدلا من ممارسة الإستثمار بطريقة تقليدية، والبحث بنظرة ثاقبة لهذه الصناعة التي أنجبت من بطنها معظم الشركات العالمية العملاقة.
آن الأوان لوضع تنظيمات أكثر سلاسة وتقديم حوافز لقيام شركات الملكية الخاصة ، وشركات رأس المال المغامر / المخاطر ، وترسيخ قوانين حماية الملكية الفكرية، و دعم العصاميين والموهوبين، تأسيس ثقافة العمل الحر والإبداع إعلام وتعليميا، تلك هي الطريقة الأكثر فاعلية لخلق البيئة المناسبة لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في التنمية الإقتصادية وليكونوا مساهمين رئيسيين في إجمالي الناتج المحلي لدولهم .
شرف محمد الدباغ
مستشار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق