مرات مشاهدة الصفحة في الأسبوع الماضي

الأربعاء، 13 يوليو 2011

العصامية - التاريخ والنظرية



مصطلح العصامية ( إنتريبرينورشب Entrepreneurship) ليست ظاهرة جديدة في المجتمعات او الدول، بل أن المفهوم والمصطلح  قد تغير من حقبة زمنية إلى أخرى ، وأقدم إستخدام سجل في التاريخ لهذا المصطلح ( عصامي Entrepreneur ) منسوب إلى  الشاعر الفذ النابغة الذبياني ( شاعرا مسيحيا من أهل الحجاز توفي في العام 605 ميلادي ) ، حين  جسده في أحد أكثر الفرسان شجاعة، وأعلاهم همة، ولم يكن ذلك الإنسان إبن حاكم او وريث مجد، بل كان إنسانا مجتهد ذو رؤية وعزيمة، وإسمه " عصام بن شهبر الجرمي"، كان حاجبا عند النعمان بن المنذر اللخمي ، الملك المسيحي المولود عام 582 م – وقتل شابا في عام 609 ميلادي، والنعمان من اصول حضرمية ولكنه حكم منطقة دجلة - العراق ،  تقلد مناصب الحكم بعد أبيه، وقد برع في الحكم، قتله كسرى غدرا بعد أن دعاه وأعتقله مع ابنائه وأسقاهم السم،و بعد تلك الحادثة ادعى إبنه المنذر بن النعمان الملك في البحرين وكان يلقب بالمغرور، وهو الذي شارك في حروب الردة مع المشركين وقتل في معركة جواتا في البحرين على يد الصحابي العلاء إبن الحضرمي. وقد قال النابغة الذبياني شعره واصفا شخصية وتميز عصام إبن شهبر حاجب النعمان :
نفس عصام سوّدت عصامِاً ... وعلمته الكر والإقداما
وجعلته ملكاً هماماً ... فتعالى وجاوز الاقواما

وقصة عصام إبن شهبر تنص على أنه كان مجرد عاملا بسيطا إستخدمه النعمان في قصره، ثم تقرب أكثر فأصبح بجهده حاجبا للملك النعمان، ثم تقرب أكثر فأصبح من أقرب المساعدين للنعمان بعد ان أثبت جدارته وحنكته الإدارية وشجاعته ، عرف عن النعمان قوله " إن عصام بن شهبر بألف جندي" . وقد أستخدم المصطلح كثيرا في ذلك الزمان بعد أن إشتهرت شخصية عصام، واصبح الإنسان الذي يشق طريقه للقمة بجهده وبدون الإعتماد على نسبه يسمى عصاميا.

وهنا يظهر جليا كيف أن  "الكر" و "الإقدام" جعلا منه كما قال النابغة الذبياني في شعره ملكا هماما وتجاوز بذلك كل من حوله من ابناء العوائل والمقربين للنعمان. وبدأت شهرة هذا المصطلح تنتشر في القرن السابع ميلادي في جزيرة العرب بمفهومه المخالف للسائد في ذلك الزمان، ولتتوسع بتوسع الرقعة الجغرافية للحكم الإسلامي وتماسها ودخولها أوروبا من خلال مملكة الأندلس ( أسست عام 711  م – وسقطت في العام 1492 م ). ويصنف هذا النوع من العصامية بما يعرف في زمننا هذا " بالعصامية المؤسساتية " وباللغة الإنجليزية ( إنترابرينورشب Intrapreneurship) ويعرف بأنه " الفعل العصامي والذي يقوم به أحدهم داخل إطار مؤسسة كبيرة"، ويقصد هنا سؤاء كان موظفا حكوميا او مديرا داخل شركة تجارية، بدون أن يكون مالكا لها.فإرتقاء عصام بن شهبر السلم الوظيفي ووصوله إلى قمته متجاوزا من حوله في فترة قصيرة معتمدا على نفسه، وتمتعه بسمات شخصية  معينة هي أول صورة معروفة تاريخيا للعصامية.

ومن المؤكد أن المصطلح قد إنتقل إلى أوروبا تدؤيجيا ليظهر مجددا في فرنسا باللغة الفرنسية ( إنتريبرينور Entrepreneur ) حوالي القرن 12 ميلادي ، وذلك بعد أن ترسخ المصطلح عربيا بظهور الإسلام بثقافة ثورية في مفاهيمها والتي تنادى بإعتماد الإنسان على جهده وعمله بدون ان يتدخل أي عنصر آخر، ظهر ذلك في الوقت الذي كانت أوروبا تغرق في سيادة التراتبية الطبقية الاجتماعية.  وقد ظهر المصطلح في هذه الفترة في إطار حرفي، فقد أطلق على المقاولين الذين يقومون بتنفيذ المباني الضخمة مثل الكاتدرائيات والقصور وغيرها في فرنسا مقابل أجر وبدون عنصر المخاطرة، ومن هنا أتى إستخدام المغرب العربي والمتأثرين بالثقافة الفرنسية بترجمة نصية للمصطلح، حيث انهم يستخدموا مصطلح " المقاول " بدلا من العصامي كترجمة لكلمة  ( Entrepreneur ).
ثم ظهر المصطلح مجددا في القرن 17 ميلادي توازيا مع الثورة الصناعية في أوروبا في إطاره الإقتصادي، إذ أضيف إليه عنصري المخاطرة والإبتكار، فدور العصامي ان يتصل بالحكام ليحصل على العقود، والذين يقوموا بتحديد الأسعار يشتري على أساسه، ويبيع بسعر مختلف، وتحسب الأرباح والخسائر بناء على  جهد العصامي، وفي العام 1725 بالتحديد إستخدم ريتشارد كانتلون الكلمة بتهجئتها الإنجليزية الحالية.

وفي القرن 18 تطورت الصناعات وتكاثرت الأموال في أوروبا ولعبت الرأسمالية القديمة دورها وأصبحت هي البديل للإقطاعية والتي كانت السبب خلف تخلف أوروبا لعدة قرون، فأصبح هنالك فئة معينة لديها اموال كثيرة، والفئة الغالبة في حاجة إلى الأموال، فظهرت المؤسسات المالية / الإستثمارية والتي قامت بدور تنظيم الأموال المتكاثرة لدى البعض، والبحث عن الأفراد المتميزين ( العصاميين ) الذين هم في حاجة اموال، وبالمقابل يتعهد العصاميون بمضاعفة تلك الأموال كعائد على الإستثمار، وكانت تلك بداية إنطلاقة مؤسسات رأس المال المغامر، والتي تعتبر بصورتها الحديثة أحد أهم مصادر التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.

وفي القرن العشرين، وبعد تطور آليات الإستثمار، والقوانين المنظمة للعمل الحر، حيث بدأت التكنولوجيا تساهم في دفع الإبتكار والتصنيع وتقلل من تكلفته، أصبحت هنالك القدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات حقيقية وتوزيعها بسرعة هائلة حول العالم، كما أصبح الإفراد العاديين المبتكرين وخصوصا العصاميين منهم أكثر تمكنا من تحويل أفكارهم إلى ثروات هائلة بدون أن يكونوا إبناء عوائل ثرية، فالتمويل منتج منظم والسوق مفتوح، ورغبة العميل هي العنصر الذي يقرر. وأصبح العصاميون عناصر تغيير جديدة بطرق ثورية في الخدمات والمنتجات، تدخل مفاهيم جديدة على الوضع القائم وتحوله إلى وضع جديد.

اما في القرن 21 والذي نعيشه فلا يمكن التكهن بما سيحدث مستقبلا بصورة دقيقة، فهنالك عنصران رئيسان يفرضان ويحددان الحاضر والمستقبل، الأول هو التقدم التكنولوجي الهائل في كل مناحي الحياة، والذي يحدث تغيير كلي في هذه الصناعة او تلك خلال فترات قصيرة غير متباعدة قد تكون أشهر قليلة في بعض الأحيان، وذلك وبلا شك تحدي كبير للجميع، والعنصر الثاني هو الإنفتاح الهائل في الإتصالات، مما تسبب في سقوط كل الجدارن الواقية المنظورة منها والغير منظورة، فعاد العالم كما كان في القرن 18 حيث لم تكن هنالك حواجز جغرافية او جنسيات لهذا المنتج او ذاك بل كان سوق تنتقل فيه الخدمات والمنتجات بناء على قانون العرض والطلب.

شرف محمد الدباغ
مؤلف - عصامي
مستشار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق